روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

16

عرائس البيان في حقائق القرآن

وصوله إليها ، وما يرى من وصال الحق ، وكشف جماله أقل من قطرة في البحار . قال النهر جوريّ : الدنيا بحر ، والآخرة ساحل ، والمركب واحد ، وهو التقوى ، والناس سفر . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 40 إلى 42 ] إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 40 ) انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 41 ) لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 42 ) [ تفسير الآية 40 ] قوله تعالى : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ : من كان مصطفى بتأييد الأزل لا يحتاج إلى نصرة أحد غير اللّه ، ومن أعزه اللّه بعزته ، جعله ناصرا له ، وهو مستغن عن نصرته ، وناصره تشرف نصرته ، أو نصرة الخلق قائم بنصرة الحق ، ومن انقطع إلى اللّه من الخلق ، أعانه اللّه على كل همّه ، ويصل إلى كل نعمة . وصف تعالى نصرته لنبيه عليه السلام حين أوى إليه في دخوله مع صاحبه في الغار ، بكشف جماله ، وإبراز نور منه لصاحبه ، أي : من كان قادرا بنصرة من كان مخفيا وراء نسج العنكبوت على أعدائه بلا مددكم ولا عددكم ، وأيضا هو ينصره ، ويجعله غالبا على كافة الخلائق مما أعطاهم من راية نصرة الأزلية ، وأعلام دولة الرسالة والنبوة . قيل : نصره اللّه حيث أغناه عن نصرتكم ، بقوله : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] ، ومن كان في ميدان العصمة ، كان مستغنيا عن نصرة المخلوقين ، ألا تراه لما اشتد الأمر كيف قال : بك أصول فإنك الناصر والمعين . ومعنى قوله : ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ « 1 » إشارة إلى خاصية الصدّيق لصحبته الحبيب ، إذ كان مشرب من مشارب بحار نبوته ، وسواقي أنهار رسالته التي جرت

--> ( 1 ) روي أن المشركين طلعوا فوق الغار يطلبون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين فقدوه من مكة ، فأشفق أبو بكر رضي اللّه عنه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « ما ظنّك باثنين اللّه ثالثهما » فأعماهم اللّه عن الغار ، فجعلوا يترددون حوله فلم يروه . وقيل : لما دخل الغار بعث اللّه حمامتين ، فباضتا في أسفله ، والعنكبوت نسجت عليه . البحر المديد ( 2 / 404 ) .